هل تخلف المنطقة العربية ظاهرة مزمنة؟

إن ما تشهده المنطقة منذ أكثر من قرن وهي على حال يرثى له لشيء يستدعي الإهتمام فعلاً، وفكرة تخلف المنطقة العربية عن غيرها من الأمم أصبحت سمة وواقعاً. ما الذي جعل شعوب هذه المنطقة في الحضيض وأنزلها منازل لا يرضاها شعب أو إنسان سوي،وأين الآن ذلك التاريخ الذي سطرته أعظم حضارة وجدت يوما على وجه الأرض، الحضارة الإسلامية؟

كان هذا نقاشاً أثاره أحد الأصدقاء وإستدعى الإهتمام لما له من واقعية ووصف الحال الذي تعيشه هذه الأمة المنقسمة على نفسها حتى آخر لبنة وهي الفرد، الإنسان، الذي هو أساس المجتمع وأهم مكون فاعل فيه.

قد لا أكون ناقداً أو مؤرخاً، ولكنني (محظوظ) لكوني مواطناً في هذه المنطقة، ويمسني ما يمسها، ويؤثر فيّ ما يجري فيها، ويؤرقني ما قد يحصل، وأدونه هنا لأرى رأيكم وأستزيد في معرفة الحقائق، وأجد الجواب على السؤال: لماذا نحن هكذا؟

أحد المراجع التي قرأتها في هذا الموضوع والذي ساعدني في معرفة بعض التقاصيل كان كتاب الأستاذ أمين معلوف “الحروب الصليبية كما رآها العرب”، كان مصدراً رائعاً لمعلومات قد لا يستشفها المرء إلا بالتأمل في تلك الوثائق التاريخية ونصوصها والتي جمع منها أكثر متن كتابه وعرضها بأسلوب وافٍ. الكاتب يتحدث أيضاً عن الجوانب النفسية والإجتماعية التي كانت مرافقة لشعوب هذه المنطقة في مجمل تلك الأحداث، والتي منها يمكننا القول أن المجتمعات الحالية على نفس الأرض لا تختلف عن أسلافها إلا بمدى تطبيق الشعائر الدينية في  العموم. أما ما كان يحكم ولا يزال فهو النظام السياسي الوراثي الذي بدأه معاوية بن أبي سفيان.

وفي نفس السياق، لا يمكننا نفي دورالأعراق والأقوام التي إنضوت تحت راية الإسلام وإنصهرت في قالبه، وساهمت في حمله ونشره حتى باتت الدولة الإسلامية تحكم نصف العالم، ولم يحصل لها هذا إلا بالعلم وتطبيق النظام في دولة كان أفرادها يعاملون سواسية، كما كان منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وحتى عهد عمر بن عبدالعزيز، والذي بلغ عدله في حكمه وصفاً من المستحيل أن يمتلكه أحد هذه الأيام. ولا يخلو التاريخ من أمثلة رائعة على مجتمع سليم متعلم ويحكم بعدالة فيما تلى من القرون وحتى في الممالك والإمارات التي تشكلت حسب ظروف كل منطقة على حدة.

لا بد أيضاً من الإشارة إلى فترة النهوض الفكري والعلمي التي شجعها الدين أصلاً بالحث على البحث العلمي والتعليم، فظهرت علوم لم يكن يمارسها إلا القلة القليلون آنذاك، وترجمت كتب ومراجع من عصور خلت تحتوي نتاج مئات السنين من التفكير والإبداع، بل وكان كل مؤلف يترجم أو يخرج إلى النور يقاس بوزنه ذهباً كمكافأة لمن إجتهد فيه!

طبعاً الحال مغاير لحالنا الآن، فنحن الآن نعطي المكافآت للصوص وخونة الأمانة، ونسوق لكل ما هو قبيح وعديم الفائدة، ونتبع كل ما هو غريب ولا يمت لنا بصلة، حتى أصبحنا نتبع الضب إلى جحره.

بداية النهاية لشعب واحد

قد تكون العوامل التي هدمت تلك الحكاية الجميلة عديدة، ولكن أهم عامل ربما كان إبتعاد الناس عن الدين في حياتهم كما كان في بدايات تطور الدولة الإسلامية، وبالتالي أصبحت المصلحة الشخصية أهم، وهذا خطره يكون أكبر إذا كان الحاكم على نفس الشاكلة؛ يذكر الأستاذ أمين معلوف في كتابه أن أطراف الدولة أصبحت مناطق نفوذ خارج سلطة بغداد، وأصبحت المدينة مملكة والقرية إمارة والإقليم خلافة أخرى… وأصبح الأخ ينافس أخاه، حتى وصل الحال عند وصول فرسان أوروبا المدرعين إلى أن يعطي صاحبنا جيوشهم الهدايا، والخيل والطعام ليمروا إلى مملكة أخيه مقابل أن يتركوه!

إنها حقيقة مرة يذكرنا بها الكاتب، وهي حالة الضعف ولإنكسار الذي كانت فيه أجزاء الدولة العباسية في شيخوختها، وذلك لإلتهاء السلاطين بأمور دنيوية لم يكن أسلافهم يعيرونها وزناً، بل وكانت مرفوضة قلباً وقالباً، كالمعازف والقيان والشعراء والطبل والزمر. وقد كان هذا أحد أسباب سقوط الأندلس قبلها، ولربما كان هذا الإنحلالأيامها  سبباً في إنشقاق البعض وتأسيس إماراتهم في مناطقهم.

فهل هناك فرق بين ذلك اليوم ويومنا هذا؟

العرب لم يكن لهم عزإلا بالإسلام

لقد صدق الفاروق في “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام”، فلا داعي للحديث عن عز وكرامة ما دمنا في غياهب الجاهلية الأولى، وما دامت فينا إمرأة تنوح على شرف مغتصب أو طفل لها تحت الأنقاض بسبب حرب أو مصيبة شارك فيها بنو دينها ولغتها، وهو الحاصل الآن. ولا عز أو كرامة ما دامت أرض باركها الله يحكمها من لا يمت إليها بصلة أو حق، وما دام خبزنا يصنعه من يمنعه عنا ويجوعنا به.

لن تقوم لهذه الشعوب قائمة إذا تركت التشريع الوحيد الذي جعل من سلفها أمة قوية في زمن من الأزمان.
لن تقوم لهذه الشعوب قائمة إذا تركت العلم والبحث والتجربة.
ولن تقوم لهذه الشعوب قائمة إذا لم تصنع حديدها بنفسها.

 


مصادر:
الحروب الصليبية كما رآها العرب  PDF




%d مدونون معجبون بهذه: